الأربعاء، 27 مايو 2009

يا جارتي ..







إني أعترف ،



يا جارتي الشجرة العزيزة ،لقد تعبت من الخريف



إني حقاً أعترف



وعندما أستيقظ ،



فأجد أوراقك الصفراء مرتعدة تجاور بعضها



تذكرني بنفسي المتعبة ،



فأرتعد ..



ليس من برد الشتاء ،



ولكن لأن للخريف أشباح ..



ما زالت تطوف حول بيتي و تحتفل ،



بأيام رمادية بلون تبغ أو رماد محترق .



استسمحك



وأقبل جزعك الوقور تحت نافذتي :



أن تخرجي أوراقك الخضراء،



لينتهي خريف أيامي التي طالت ....



أن تخرجي أوراقك الخضراء ولو ليوم واحد !



وإني أعترف ،أنني سأقلدك



وسأخرج كل أوراقي الخضراء من تحت عباءتي الشتوية



و سأزهو مثل طاووس وقور ،



للتو اكتشف،أن ألوانه الخضراء والزرقاءوالبيضاء ..



ليست سر جماله



ولكن السر أن الشمس تشرق فوقها فتنيرها ،



من بين آلاف، بل ملايين الشجر



مثلك جارتي



فتعطفي وتصدقي على جارة محتاجة مثلي



بأوراق الأمل .

الاثنين، 25 مايو 2009

الموت لآخر مرة











يومها لم أكن أدرك من معاني الموت سوى رائحة بقايا القهوة تنبعث من فناجين متناثرة في أنحاء مطبخنا العتيق ،الذي تكسرت العديد من بلاطاته وامتدت فروع الأشجار من نافذته الضيقة ،تلامس بداية السقف المتساقط .






كنت أرى السواد يملأ الغرف ،يتحرك ككتلة آدمية واحدة ترافقها رائحة هي مزيج من الدموع والعرق وشعور مبهم لم أدركه في ذلك الوقت ..






لم أكن أدرك أن من نفقده يذهب إلى الأبد ....لم أكن أعرف إلى أين ذهبت جدتي ،ولو أنني إفتقدت بشدة لمسات يديها الحانية المرتعشة وقبلاتها الدافقه الدافئة ورائحتها الأصيلة وأعمالها البيتية المميزة ،بداية من فطائر تعبق الجو باللذة ونهاية بمفارش مطرزة بورود زاهية ..






كانت تتقن كل الأشياء لدرجة أنني كنت أحسهاأصل الأشياء..






بعدها كبرت لأدرك أن الموت حقيقة تكبر معي لتتسع دائرة من يضمهم تحت اسم المرحوم أو المرحومة ..أدركت أيضاً إلى أين يذهب هؤلاء فداومت قدر إستطاعتي على العبادات المختلفة وأستشعرت تدريجياً ،بل توغل في ذلك الشعور الذي لم أفهمه من قبل"إحساس الإنسحاب "....






أن ينسحب من تعودت على صحبته من حياتك ويترك أشياءه في طريقك تزيد من ألمك كلما تذكرته معها ..






أن تنسحب معه لكنته وتعبيراته المميزة وحركاته ورائحته وصوته و إيقاع خطواته وأهتماماته و مشاعر حبه و كرهه وفرحه وحزنه لتبقى في مخيلتك صور عنه، تتلاشى بمرور الوقت ..






هكذا انسحب معظم رفقاء القهوة تاركين وراءهم أصوات إصطدام النرد وإحتكاك الملاعق بقيعان أكواب الشاي وغيرهم جيران ألفت أصواتهم وصورهم حتى أصبحت من معالم اليوم ،كزقزقة العصافير وتطاير ملابسهم المغسولة فوق الحبال الممتدة ..






هكذا أيضاً انسحبت رفيقتي لأتذكر صحبتها بآلاف الاشياء ويضمني عشي وحدي ليغمرني إحساس الإفتقاد ..






اليوم بدأت أحس أن الدنيا بدأت تخلو تدريجياً من ناس زمان ،ذلك الزمن الذي هو زمن طفولتي و شبابي و نضجي ،ذلك الزمن الذي بدأ ينسحب هو الآخر ليطوي معه صفحاتي الأخيرة .












السبت، 23 مايو 2009

خالد ..تلميذ الصف السادس


أنا خالد تلميذ الصف السادس ..وذلك وحده يكفي أن يصنع كارثة نووية ،فمن بين كل تلاميذ الصف السادس أتمنى أن أصنع من أوراقي وكتبي وكل الصفحات زوارق وصواريخ تسافرحتى المريخ ..أو أبعد من ذلك لتفارقني وأفارقها، لا تعرف حتى طريق العودة..

أسرح من خلف النافذة وفي حضني كتاب من تلك الكتب مملوء بسطور خلف سطور ،ومن بين قراءة أول سطر وتفكير في الثاني أتمنى أن أتشقلب ،أتأرجح،أتراقص ،أتمايل ،أقفز فوق سريري أو أزحف تحته..

أتمنى أن ألعب ولكن كيف ؟؟؟

تنهرني أمي ،تناديني ..لاتسرح يا خالد ،ركز !!!تلال دروس ومذاكرة كالشلالات تنتظر الحل ..

كالشلالات ؟؟

أتمنى أن أقفز في واحد ،شلال يهدر و يزمجر فوق الأرض الخضراء فتتناثر آلاف من قطرات الماء ..

أتمنى أن أسكن في بقعة لا يعرف فيها العلم صديق!!

أصاحب قرود الغابات ،أتأرجح معهم بين فروع الأشجار وأجمع ثمراًبرياً ،أسبح بين الأمواج وأصاحب حوتاًأزرق وأسابق فراشات الغابات..

وتنهرني أمي :استيقظ من أحلامك ذاكر يا خالد ..

ولكني في السطر الثالث يا أمي وأمامي مائتين ..وأتمنى أن ألعب ..أو أركب فيلاًهندياً ..في بقعة لا يعرف فيها العلم صديق.


الجمعة، 22 مايو 2009

قبل النوم بساعة









في كل مساء.. وقبل النوم بساعة..في أيام باردة كزجاج ..أمد يدي تحت غطائي وأسحب صندوقي وافك شرائطه وأزيح غطاءه..






قبل النوم بساعة..






سأعد بطاقات مغامرة البوكيمون ،وأرتب قطع صخور أجمعها من ساحة مدرستي ،ثم أنظف نظاراتي ببخار الماء يتصاعد من فمي في عز شتاء،واجففها برداء النوم وأغطس بين لحافي و سريري ....






قبل النوم بساعة..






سأشاهد صورة أمي تبتسم وتحمل أختي مريم ..






سأشاهد صورة أختي تلعب بلباس البحر الأحمرورذاذ الماء يتراقص حول ضفيرتها البنية ..






سأشاهد صورة أمي تقبلني في عيد ميلادي وأبي ينظر في مرح ،ينتظر كي أطفأ شمعات العيد..سأشاهد أبي برداء صوفي أسود و حذاء عالي الرقبة ،يحمل في يده مظلة وفي الخلف شوارع مبتلة والجو ضباب..






وأردد في سري كلمات كتبت خلف الصورة :






أرسل أشواقي وتحياتي،






لكل الأسرة..وخصوصاً أنت،سأعود قريباً






أفتقدك يا أحمد..






عشرة كلمات أحفظها ،لكني أحب قراءتها... قبل النوم بساعة..






ويتردد صوت في الردهة :ميعاد النوم ،بقيت عشر دقائق ..هيا ناموا يا أولاد.





سأعيد أشيائي للصندوق ..ولكن ،





بقيت ورقة ..ورقة جرنال مطوية فيها صورة أمي المبتسمة ،وبجانبها صورة أختي أيضاً مبتسمة ،وأبي يبتسم كذلك.





وعشرات الصور في الورقة ..مرصوصة..مصفوفة، فيها صور مبتسمة وصور لا تحمل أية بسمات ..وكل الصور تتذيلها أسماء ..





وفي أعلى الصفحة مكتوب بالخط الأحمر ..





لم ينج إلا طفل واحد





أحمد





وأغلق صندوقي وأحضنه ،وأشد غطائي حولي أتشبث فيه ،وأنتظر الغد ..





لأني في الغد، وقبل النوم بساعة.. سأرتب صندوقي وأشاهد أمي المبتسمة تحمل أختي مريم .









"إلى كل طفل وحيد في عالم موحش ،حتى لو أنتزعوا منك كل شيء.. سيبقى شيء لا يمكن أنتزاعه مثل صندوق أحمد"






اغسل قلبك يومياً


لم يكن في يوم من الأيام يهتم بتلك النوعية من الكتب التي تقدم نصائح وأساليب للحياة على شاكلة (كيف تصبح مليونير) أو (أقصر الطرق للسعادة)وكان دائماً يقول أن مؤلفي تلك الكتب من النصابين الذين لا يكلفون أنفسهم حتى تجربة ما يكتبون..

إلى أن جاءت تلك اللحظة التي اطلع فيها بالصدفة على عبارة في أحد هذه الكتب ،كانت العبارة تقول "اغسل قلبك يومياً" ،يومها ضحك حتى دمعت عيناه وهو يتصور منظر شخص يغسل قلبه بالصابون ،ثم يتركه ليجفف وبعد ذلك يقوم بكيه ليرتديه مرتباً.

لكن العبارة ظلت تلاحقه في السيارة والعمل والشارع ،وحتى أثناء نومه ظلت تتردد في أذنيه ..

في خلال شهر كان قد أعاد علاقاته بكثير من زملائه القدامى وسعى لإصلاح كل سوء تفاهم كان قد نشأ بينه وبين معارفه ..استطاع أن ينسى كل من آذوه أو ضايقوه وانطلق يحب كل الأشياء ..

الناس ،الأشجار ،الطرقات ،السماء والنسيم ..حتى أدق الأشياء التي لا يلاحظها أحد كنملة تتأرجح تحت ورقة شجر خضراء.

في خلال شهر أيقن أن التسامح نبل وأن الترفع عن الصغائر فروسية ..

في خلال شهر كان صفاء قلبه قد ظهر على وجهه حتى أنه عندما نظر في المرآه ذات صباح ابتسم و تمتم " اغسل قلبك يومياً" .

(قمت بنشر هذه القصة في مجلة كل الناس 1991 )

الأربعاء، 20 مايو 2009

ورقات مطوية


شاهدته يوماً على شاطيء البحر واقف يلقي بزجاجة شفافة تحوي ورقة مطوية ،يلقيها
للموج فيحضنها وتتابع مسيرتها الحرة في البحر الواسع..أتخيلها تجاهد لتصل لآخر خط فيه
لا تعرف أن الأرض كرة يبدأ أولها حيث آخرها يتوقف.



وفي كل الأيام كنت أراه يلقي بزجاجات تحوي ورقات مطوية ،كنت أداري فضولي وأكتمه
وأعلل للنفس السبب ..زجاجة داخلها رسالة أو حتى إعلان تجارة .حتى مرت سنة،صار
العدد ثلاث مئات،تجوب بحار العالم كله ،تسبح في ماء الخلجان ،وتضيق بضيق مضايق
عالم ثلاثة أرباع مساحته زرقاء..



ترتفع و تهبط ..تتناثر بين المرجان وتجاري أسماكاً رسمت بالألوان..



أسماك تدعى بيكاسو وأخرى ذات عيونٍ عمياء في أغوار كهوفٍ مظلمةٍ سوداء.



تدور مع الدوامات وتنكسر لصدمتها بسفينة أو أحد أرصفة الميناء ..زجاجات لا أدري لماذا
يلقيها؟؟



آلاف الأسئلة أنبثقت في رأسي فازدحمت بالأفكار المختلطة، حتى صار العقل مليئاً لا يتحمل
أي جديد..



لملمت كل شجاعاتي وجمعت أساليب سؤال وردوداً متوقعة وفاجأته ذات أصيل ،فابتسم
وأعطاني ورقة من تلك الورقات ..كانت تحمل بضعة كلمات تنشد حباً و سلاماً من أجل حياة
أفضل ،أرحب ،أكثر دفئاً.



كذلك كانت في آخرها ملحوظة تنادي كل من يقرأ إحدى تلك الورقات أن يكتبها مرة أخرى
ويذيلها بنفس الكلمات ،يطويها ويضعها في زجاجة ويلقيها في جوف البحر..



وتصير الواحدة عشرات ،بل أكثر من عشرات ..



بعدد رواد الشاطىء وصيادي الأسماك ..بعدد قلوب تعشق لون الفيروز ورئات تتنفس
نسمات الشطآن وأنوف تزكمها رائحة نباتات الماء..



وبعدد نصف الآذان ،آذان تسمع صوت الموج من البحر ومن داخل تجاويف الأصداف.

الأحد، 10 مايو 2009

عندما تعلو الهموم




عندما تعلو الهموم فوق أكتافي
أغني

أملأالدنيا انشراحاً وعبيراًوسروراً

عندما تعلو الهموم فوق أكتافي

أغني

مثل عصفور جريء

يحضن الريح جناحه

عندهاانثر همومي مثل ريش في الهواء

هكذا أصنع فرقاً..

قد يدوم ،أو لا يدوم


لكنني أخرج دوماًمن همومي بابتسامة

سيكون الغد أفضل ..طالمايرعاني ربي

وهو يرعى كل حي ،يرفع الرأس دعاء
وهو يرعى كل حي، أينما كان مكانه

في جبال أو حقول أو صحارى أو بيوتٍ

أي مخلوق ضعيف ..ربما مثلي يغني

عندما تعلو الهموم