السبت، 18 ديسمبر 2010

اضحك..حسن




اضحك..حسن


فعندما تضحك طفلي العزيز


تزول سحابة غيم كئيبة


وتهنأ فجأة حياتي الرتيبة


وتصبح كل المشاكل صغيرة




وعندما أسمع هذا الرنين


رنين سعادتك الساحرة


أصبح كفراشة طائرة


وأحضن ثغرك وأنا حائرة




أستظل تضحك بتلك البراءة


أم أن يوما سيأتي ...


لتصبح مثلي كئيباً


ترهف السمع لتتصيد..


ضحكة طفل صغير


لتنسى همومك ..


و تجمع بعض قواك الخائرة


وتبتسم ابتسامة فاترة.

الثلاثاء، 30 نوفمبر 2010

أمي تصنع البهجة


أمي تصنع البهجة ..أمي تنسج الفرحة



ليست فرحة عادية ،من تلك الفرحات..



تبدأ وتزول..



ولكن ما تصنعه أنامل أمي ،



فرحة تبقى..



تتكاثر وتزيد



فرحة أسطورية ،



خرجت للتو من قصة منقوشة بأنامل فنان



كسحابات بيضاء منفوشة تتجمع مبتسمة ..



وغيوم تنقشع فتبدو الشمس جميلة صفراء..



فتلك عروسة،فلاحة تنظر من خلف ملاءتها بمكر وملاحة..



وذلك فلاح..رجل من ظهر رجال



يضرب فأسه في الأرض فتصير بساتين فيحاء



وعلى المنضدة تتجاور نبتات مزهوة خضراء



رعتها أنامل أمي ..



فأنامل أمي أيضاً خضراء



وما تلمسه أناملها يتشكل خيرا وحياة ونماء



فتتحول أركان البيت لحديقة غناء



وهناك تقبع لوحات زيتية ..



لزهور وطيور و مراكب ..أشجار



مناظر ملهمة،مفعمة بالروعة



أسرح معها وأتمنى أن أغرق في تلك اللوحات



ويوقظني صوت أعشقه



"ياسميـــــــــــــــن"



حتى الصوت يصنع البهجة ..



حتى الصوت يغزل في قلبي البسمات.



الثلاثاء، 13 يوليو 2010

حرف الألف


وكأنه الأمس ..حين تشكلت على صفحة الورقة بركة صغيرة من الدموع تساقطت تباعاً من عيونه الملتاعة وهو يحاول أن يجد أي مساعدة ..


كانت يدة المرتعشة تمسك القلم الرصاصي الطويل بصعوبة بالغة ، بأصابع نحيفة كأصابع الأشباح ...اليوم هو يومه الأول في المدرسة والمعلم يقف في منتصف الفصل بصوته الجهوري المزعج يطلب من الأطفال كتابة أسمائهم على أول ورقة من ورقات الكراسة الصغيرة وكأنه من الطبيعي أن تعرف كتابة اسمك في أول أيام الدراسة!!!


بدأ العديد من حوله يكتبون بهمه وكأنهم تعودوا ذلك منذ سنين ..


كان هناك القليل من الأطفال يبكون مثله ولكنه كان مختلفاً عنهم فهو يبكي منذ سنين .


أو لنقل فهو خائف منذ سنين ..هي سنوات عمره الصغير التي لا تتعدى أصابع اليد ولكنها بالنسبة له عمراً امتلأ بالخوف والقلق والبكاء ...وحيداً بلا أم ..يستيقظ ليجد كل يوم امرأة جديدة تقوم برعايته قد تكون خادمة أو جارة أو قريبة مع العديد من الصغار الآخرين ،السعداء، النشيطين الذين لا يكلون من مضايقته هو الطفل الغريب النحيف ..


حتى يعود والده من العمل فيعودان الى بيت أبعد ما يكون عن الدفء ..والد لا يتكلم إلا بضع كلمات أكثرها في صيغة الأمر مقتضبة خافتة ككل مظاهر حياته ..




كان يحس أن والده حزين مثله ..وحيد مثله ..و يتعجب لماذا لا يحتضنه أو يبتسم في وجهه أو يداعب وجنتيه مثل الآباء الآخرين !


لقد تعود في النهاية على هذا الوضع حتى جاءت أيام المدرسة فانقلبت حياته رأساً على عقب ....


كانت كتابة اسمه بالنسبة له معجزة خالصة هو الذي لم يخط خطاً من قبل أو يرسم أو حتى يشخبط مثل بقية الأطفال ..كان يتلفت حوله في رعب لعله يجد المساعدة ..ولكنه لم يجد إلا نظرات حادة من معلمه ذو الكرش الضخم كصقر ينتظر الإنقضاض على فريسته.


حتى جاء الأستاذ فريد


لا زال يتلذذ بتذكر تلك اللحظة كأول ثانية سعيدة في حياته ..ياللروعة ..الأستاذ فريد بشعره البني المنسق وعيونه الحنونة العطوفة وملامحه الطيبة كالعسل ،دخل الفصل كأنه شعاع من الشمس فسرى الدفء في أوصاله الصغيرة ..بابتسامة منعشة كحضن الأم وكأنه هدية من الله اتجه نحوه وكأنه يعرفه منذ مولده وبصوت خفيض طمأنه بكلمات واضحة كان صوته حنوناً مثل ابتسامته ..وبيد قوية أمسك يده المرتعشة وبدأ يكتب معه حرف الألف ، الذي ظهر على الصفحة معوجاً كعود قمح عصفت به الرياح بهمزة طائرة تبتعد عنه كأنها تهرب ،ولكنه كان حرف ألف ..


أول حرف ألف يكتبه في حياته


وأول حروف اسمه ..الأستاذ فريد ..يالصبر الأستاذ فريد..لقد علمه كتابة كل الحروف التي تعانقت فيما بعد لتكون كلمات ثم جمل ....الأستاذ فريد لم يعلمه فقط كتابة الكلمات بل علمه كيف يكون قوياً ،آمناً ،مبدعاً وقبل كل ذلك علمه كيف يحب والده الصامت الحزين ..


لقد كان الأستاذ فريد هو رحمة الله التي أرسلها اليه


ومنذ حرف الألف المعوج انطلق يكتب الكلمات والجمل التي زينت مواضيع انشاء متقنة وآلاف الاجابات في امتحانات حصل في أغلبها على الدرجات النهائية ..أبحاث جامعية ومشاريع مميزة ،شهادتي ماجستير و شهادة دكتوراة ..ثم توقيعاته كمهندس متميز في شركة عملاقة..وتوقيعاتة في عقد زواجه وشهادات درجات أبنائه ..


كان خطه البديع يميزه كما تميزه شخصيته المحببة .


كل هذه الأوراق كانت تذكره بحرف الألف المعوج وبالأستاذ فريد الذي لم تنقطع الصلة بينهما منذ أكثر من خمسين سنة .....فقد فيها الأستاذ فريد الكثير من قوته،صحته ،شعره وأسنانه لكنه لم يفقد ابتسامته المشرقة ونصائحه الغالية وتوجيهاته مع دفء مشاعره وتهليله في كل مرة يرى تلميذه الصغير الخائف الضئيل وقد أصبح رجلاً ذو شأن ،وسيماً ..قوياً واثقاً في إمكاناته ومقدرته ..


لقد صار التلميذ هو من يساعد استاذه بيده القويه على صعود السلم وعبور الطريق والذهاب إلى الطبيب ،لقد صار هو من يحنو عليه ويربت على كتفه ويذكره بمواعيد الدواء .


واليوم ارتعشت يد التلميذ مرة أخرى وهو يكتب حرف الألف فظهر هزيلاً معوجاً بهمزة طائرة وكأنه أول حرف يكتبه ..


"أنعي اليكم معلمي العزيز الفريد ..فريد ..


وقبل أن يكمل كانت بركة صغيرة من الدموع قد تشكلت على صفحة الورقة ...


الاثنين، 5 يوليو 2010

المرج الأخضر


عندما كانت تتفاقم سخافات البشر وتعلوا انتقاداتهم وتحيطه افواههم بالصياح ..وعندما كان الصغار يمنعونه من لعب الحجلة معهم ..عندما كان المعلم يعنفه لأنه لم يقم بواجبه..


عندما كان يحزن أو يبكي أو يغضب أو تحيطه الهموم كغيوم تخنق...كان يسارع للمرج القريب ..يستنشق أنفاساً شفافة ويودع كل هموم اليوم..


كان المرج الأخضر يساعده على استقبال الغد و بعد الغد ..كان المرج الخالي من كل بشر العالم ،يمتلئ بزهور وطيور وحشائش خضراء تتسلل من بين أجمل صخر الكون..ديدان وفراشات،شرانق ما زالت في طور التكوين ..




كان المرج الأخضر كالدنيا في أول سنواتها




كذب،حقد،كره ونميمة كلمات سود لم يسمعها في المرج الأخضر...


كان يجلس..يفترش حشائشه ويتأمل ابداع الخالق .....فتذوب كل مشاكله ويعود رقيقاً منتعشاً ليكمل مسيرة سنوات العمر.


الآن وبعد مرور السنوات..سنوات لم يتخللها جلوس في المرج الأخضر أو حتى رؤيته.




فالمرج الأخضر في البلدة..وهو الآن بعيد في مدينة لا تحتضن أي مروج خضراء..


الآن كم يشتاق لجلسته في المرج ..لديه هموم كتلال ومشاكل تشغل كل مساحات النفس..يتمنى لو يلقيها في المرج الأخضر..




ولكن في داخله خوف أكبر..


أن يعبر ساعات السفر المحدودة للبلدة فيجد أن المرج الأخضر أضحى طيفاً في ذاكرته..




(لكل منا مرج أخضر يخاف أن ينفض التراب عنه فيكتشف أن الصورة التي رسمها في خياله كانت أجمل بكثير)

الثلاثاء، 30 يونيو 2009

طريق دافئ مشمس طويل ..


هل تعرفين صديقتي؟



أن إكتئاب النفس أحياناً يكون هو الدليل ..



على نجاة الروح، في عالم يشكو من المرض العليل !



وأن ملايين البشر فقدوا النفوس ولم يعد من نسيانها أبداً بديل !



وأن هؤلاء السائرون قسراً كالنيام ،



قد تدهشين إذا اكتشفت أن كلاً منهم تزاحمه المخاوف كالدخيل



وأن الحياة قد تكون مملة وبخيلة و قصيرة ..



لكن نهايتها طريق دافئ مشمس طويل



وأن آلاف النيازك والشهب والنجمات التعيسة ..



تحترق ..



لتنير دنيا غيرها كل ليل ..



وأن العصافير التي تغرد في الصباحات الجديدة ..



قد تشكو أحياناً من الرزق القليل ..



افرحي ..



وتجددي ..



وتمتعي بكل ساعات الحياة ،



فالعمر علبة مجهولة ،قلما كان كل ما فيها جميل ..



الجمعة، 12 يونيو 2009

علبة التونة


للمرة الخمسين في اسبوع واحد ،سمعت تلك العبارة المعتادة التي أصبحت في بيتنا مثل الأعلان التجاري أو المثل الشعبي :

"اذا لم تبع السيارة اليوم لن تبيعها أبدا !"

قالتها زوجتي بصوتها القادم من المطبخ ويبدو أنها كانت تقطع بصلة لأنها تنهدت قبل أن تنطق" أبدا "..كانت تتكلم عن سيارتي الفولفو التي أصبحت على حد قولها تشبه علبة التونة.. المفتوحة.وأكملت زوجتي وهي تحمل كومة من الملابس "سنبيع السيارة وبثمنها نعيد طلاء الشقة ونشتري فوط وبياضات ونغير الستائر ونشتري سجادتين و طبعاً نذهب لأداء العمرة و نشتري هدايا للأولاد ."

آه ..سيارتي الفولفو..آه لو تعلمي زوجتي ،علبة التونة تلك كم تعني لي .

خلعت نظارتي الطبية ،نظارة القراءة بعد أن انتهيت من جرائد اليوم جميعاً..المقالات والعناوين والعواميدوالنكت وحتى باب الحظ ،إنه طقسي اليومي ،يقتل الأيام يوماً فيوم حتى يأتي يوم الجمعة يوم زيارة أولادي وأحفادي يومها أقرأالجرائد ليلاً ،وطوال يوم الجمعة أظل أتحدث عن الأخبار التي قرأتها كأنها آراء شخصية أو معلومات خاصة لم يقرأها أحد من قبل،وبين الحين والآخر ،أنظر إليها من فوق سور شرفتنا أطمئن عليها (علبة التونة) تقف مطمئنة على الرصيف تفترش الأرض بعجلاتها الأربعة وبطنها الواسعةو تبتسم في سعادة هادئة ....سعادة من أدى رسالته عبر سنين وبدأ حياة الراحة ..

هل تنتظر مني الخيانة ؟ هل تستطيع أن تبدأ حياة شاقة مع أسرة جديدة ،بعد أن تعودت لمساتي الرقيقة لمقودها وضغطتي الحانية على مكابحها وانتظاراتي المتسامحة عندما لا تبدأفي الدوران فوراً؟

وقبل كل ذلك بعد أن تعودت على شمس الصباح الدافئة في شارعنا الهادئ، تظللها شجرة الكافور العجوز ويطربها صوت عم سيد بائع الفول وأبواق حافلات السيارات تأتي لتأخذ أطفال شارعنا..تنظر إليهم علبة التونة ..سيارتي ..بعيون ناعسة ثم تكمل نومها اللذيذ الذي هو نشاطها الوحيد منذ أن سكنتني أمراض الشيخوخة ولم أعد أركبها إلا في أحيان نادرة .

هل ستفتقدها أوراق الخريف المتساقطة من الأشجاريحملها الهواء كأنه يربت بها على ظهر سيارتي كحيوان أليف اعتاد التدليل ..

وفي ليالي الشتاء الباردة هل سأتذكر بشوق كم اعتدت أن أهجر قربة المياه الساخنة وأزيح بطانيتي الصوفية وألبس غطاء الرأس والروب الدافئ ثم أضع نظارتي وأنظر من بين فتحات الشيش أطمئن أنها (علبة التونة)دافئة مثلي تحت غطائها المحبوك ،أخلعه عنها عندما يأتي الصيف لأتمتع بمنظرها تأخذ حمامها الأسبوعي من عم علي البواب ،ثم تلمع ببهاء تحت أشعة الأصيل .

"حاضر يا نوال سألبس قميصي لأقابل المشتري"قلت بصوت يائس ثم نزلت السلم ببطء أتلكأوأتكئ على السور ...أنزل درجة ..درجة ..أتمنى لو كنا نسكن في الدور العشرين ولكننا في الدور الثاني ،وهاهو المشتري ينظر في توجس ،يتفحص علبة التونة المطمئنة السعيدة التي أبتسمت حين وصلت ،وفتحت بابها فسمعتها تضحك في دلال وكسل وأدرت محركها فدارت من أول مرة رغم طول غيابي ..وأصطحبت سيارتي العزيزة بعيداًتاركاًالمشتري ورائي ينظر إلي في تعجب وصورته تصغر في مرآة سيارتي كلما ابتعدت عنة حتى أصبحت المرآة صافية كبركة ماء...

وعند أول ناصية أخرجت من جيبي ورقة صغيرة وقلم وكتبت:

زوجتي العزيزة نوال ،بعد التحية ..

أنا أحب آثار أصابع أحفادي وأقدامهم على حوائط البيت ،تذكرني بأن حياة قادمة في آخر الأسبوع ...

وأحب ملاءاتي القديمة التي أهلكتها حرارة الغسيل فصارت باهتة ككل الصور ..

وأنا يا زوجتي العزيزة أحب كثيراًأن أجلس في سيارتي حتى لو عدت بدون الذهاب إلى أي مكان..

وأنا يا نوال منذ خاصمت السيجارة كنت أضع نقودها في علبة صفيحيةلنستطيع الذهاب إلى العمرة يوماً ما ..

لذلك يا زوجتي العزيزة انا ..أبدا ..لن أستطيع أن أبيع علبة التونة

الثلاثاء، 9 يونيو 2009

رسالة إلى أبي ..




اشتقت اليك ياقلبي اشتقت لصوتك العذبِ



تساعدني بلا ملل وتمدحني بلا سببِ



وترمقني طوال الوقت بنظرة ملؤها الحبِ



وتنصت لتفاهاتي كأن حديثي من ذهبِ



تعلمني برفق الأب وتنصحني بلا خُطَبِ



اشتقت اليك يا قلبي



اشتقت لكل أحوالك



حتى وجهك التَعِبِ



إبنتك ياسمين

الأربعاء، 27 مايو 2009

يا جارتي ..







إني أعترف ،



يا جارتي الشجرة العزيزة ،لقد تعبت من الخريف



إني حقاً أعترف



وعندما أستيقظ ،



فأجد أوراقك الصفراء مرتعدة تجاور بعضها



تذكرني بنفسي المتعبة ،



فأرتعد ..



ليس من برد الشتاء ،



ولكن لأن للخريف أشباح ..



ما زالت تطوف حول بيتي و تحتفل ،



بأيام رمادية بلون تبغ أو رماد محترق .



استسمحك



وأقبل جزعك الوقور تحت نافذتي :



أن تخرجي أوراقك الخضراء،



لينتهي خريف أيامي التي طالت ....



أن تخرجي أوراقك الخضراء ولو ليوم واحد !



وإني أعترف ،أنني سأقلدك



وسأخرج كل أوراقي الخضراء من تحت عباءتي الشتوية



و سأزهو مثل طاووس وقور ،



للتو اكتشف،أن ألوانه الخضراء والزرقاءوالبيضاء ..



ليست سر جماله



ولكن السر أن الشمس تشرق فوقها فتنيرها ،



من بين آلاف، بل ملايين الشجر



مثلك جارتي



فتعطفي وتصدقي على جارة محتاجة مثلي



بأوراق الأمل .

الاثنين، 25 مايو 2009

الموت لآخر مرة











يومها لم أكن أدرك من معاني الموت سوى رائحة بقايا القهوة تنبعث من فناجين متناثرة في أنحاء مطبخنا العتيق ،الذي تكسرت العديد من بلاطاته وامتدت فروع الأشجار من نافذته الضيقة ،تلامس بداية السقف المتساقط .






كنت أرى السواد يملأ الغرف ،يتحرك ككتلة آدمية واحدة ترافقها رائحة هي مزيج من الدموع والعرق وشعور مبهم لم أدركه في ذلك الوقت ..






لم أكن أدرك أن من نفقده يذهب إلى الأبد ....لم أكن أعرف إلى أين ذهبت جدتي ،ولو أنني إفتقدت بشدة لمسات يديها الحانية المرتعشة وقبلاتها الدافقه الدافئة ورائحتها الأصيلة وأعمالها البيتية المميزة ،بداية من فطائر تعبق الجو باللذة ونهاية بمفارش مطرزة بورود زاهية ..






كانت تتقن كل الأشياء لدرجة أنني كنت أحسهاأصل الأشياء..






بعدها كبرت لأدرك أن الموت حقيقة تكبر معي لتتسع دائرة من يضمهم تحت اسم المرحوم أو المرحومة ..أدركت أيضاً إلى أين يذهب هؤلاء فداومت قدر إستطاعتي على العبادات المختلفة وأستشعرت تدريجياً ،بل توغل في ذلك الشعور الذي لم أفهمه من قبل"إحساس الإنسحاب "....






أن ينسحب من تعودت على صحبته من حياتك ويترك أشياءه في طريقك تزيد من ألمك كلما تذكرته معها ..






أن تنسحب معه لكنته وتعبيراته المميزة وحركاته ورائحته وصوته و إيقاع خطواته وأهتماماته و مشاعر حبه و كرهه وفرحه وحزنه لتبقى في مخيلتك صور عنه، تتلاشى بمرور الوقت ..






هكذا انسحب معظم رفقاء القهوة تاركين وراءهم أصوات إصطدام النرد وإحتكاك الملاعق بقيعان أكواب الشاي وغيرهم جيران ألفت أصواتهم وصورهم حتى أصبحت من معالم اليوم ،كزقزقة العصافير وتطاير ملابسهم المغسولة فوق الحبال الممتدة ..






هكذا أيضاً انسحبت رفيقتي لأتذكر صحبتها بآلاف الاشياء ويضمني عشي وحدي ليغمرني إحساس الإفتقاد ..






اليوم بدأت أحس أن الدنيا بدأت تخلو تدريجياً من ناس زمان ،ذلك الزمن الذي هو زمن طفولتي و شبابي و نضجي ،ذلك الزمن الذي بدأ ينسحب هو الآخر ليطوي معه صفحاتي الأخيرة .












السبت، 23 مايو 2009

خالد ..تلميذ الصف السادس


أنا خالد تلميذ الصف السادس ..وذلك وحده يكفي أن يصنع كارثة نووية ،فمن بين كل تلاميذ الصف السادس أتمنى أن أصنع من أوراقي وكتبي وكل الصفحات زوارق وصواريخ تسافرحتى المريخ ..أو أبعد من ذلك لتفارقني وأفارقها، لا تعرف حتى طريق العودة..

أسرح من خلف النافذة وفي حضني كتاب من تلك الكتب مملوء بسطور خلف سطور ،ومن بين قراءة أول سطر وتفكير في الثاني أتمنى أن أتشقلب ،أتأرجح،أتراقص ،أتمايل ،أقفز فوق سريري أو أزحف تحته..

أتمنى أن ألعب ولكن كيف ؟؟؟

تنهرني أمي ،تناديني ..لاتسرح يا خالد ،ركز !!!تلال دروس ومذاكرة كالشلالات تنتظر الحل ..

كالشلالات ؟؟

أتمنى أن أقفز في واحد ،شلال يهدر و يزمجر فوق الأرض الخضراء فتتناثر آلاف من قطرات الماء ..

أتمنى أن أسكن في بقعة لا يعرف فيها العلم صديق!!

أصاحب قرود الغابات ،أتأرجح معهم بين فروع الأشجار وأجمع ثمراًبرياً ،أسبح بين الأمواج وأصاحب حوتاًأزرق وأسابق فراشات الغابات..

وتنهرني أمي :استيقظ من أحلامك ذاكر يا خالد ..

ولكني في السطر الثالث يا أمي وأمامي مائتين ..وأتمنى أن ألعب ..أو أركب فيلاًهندياً ..في بقعة لا يعرف فيها العلم صديق.


الجمعة، 22 مايو 2009

قبل النوم بساعة









في كل مساء.. وقبل النوم بساعة..في أيام باردة كزجاج ..أمد يدي تحت غطائي وأسحب صندوقي وافك شرائطه وأزيح غطاءه..






قبل النوم بساعة..






سأعد بطاقات مغامرة البوكيمون ،وأرتب قطع صخور أجمعها من ساحة مدرستي ،ثم أنظف نظاراتي ببخار الماء يتصاعد من فمي في عز شتاء،واجففها برداء النوم وأغطس بين لحافي و سريري ....






قبل النوم بساعة..






سأشاهد صورة أمي تبتسم وتحمل أختي مريم ..






سأشاهد صورة أختي تلعب بلباس البحر الأحمرورذاذ الماء يتراقص حول ضفيرتها البنية ..






سأشاهد صورة أمي تقبلني في عيد ميلادي وأبي ينظر في مرح ،ينتظر كي أطفأ شمعات العيد..سأشاهد أبي برداء صوفي أسود و حذاء عالي الرقبة ،يحمل في يده مظلة وفي الخلف شوارع مبتلة والجو ضباب..






وأردد في سري كلمات كتبت خلف الصورة :






أرسل أشواقي وتحياتي،






لكل الأسرة..وخصوصاً أنت،سأعود قريباً






أفتقدك يا أحمد..






عشرة كلمات أحفظها ،لكني أحب قراءتها... قبل النوم بساعة..






ويتردد صوت في الردهة :ميعاد النوم ،بقيت عشر دقائق ..هيا ناموا يا أولاد.





سأعيد أشيائي للصندوق ..ولكن ،





بقيت ورقة ..ورقة جرنال مطوية فيها صورة أمي المبتسمة ،وبجانبها صورة أختي أيضاً مبتسمة ،وأبي يبتسم كذلك.





وعشرات الصور في الورقة ..مرصوصة..مصفوفة، فيها صور مبتسمة وصور لا تحمل أية بسمات ..وكل الصور تتذيلها أسماء ..





وفي أعلى الصفحة مكتوب بالخط الأحمر ..





لم ينج إلا طفل واحد





أحمد





وأغلق صندوقي وأحضنه ،وأشد غطائي حولي أتشبث فيه ،وأنتظر الغد ..





لأني في الغد، وقبل النوم بساعة.. سأرتب صندوقي وأشاهد أمي المبتسمة تحمل أختي مريم .









"إلى كل طفل وحيد في عالم موحش ،حتى لو أنتزعوا منك كل شيء.. سيبقى شيء لا يمكن أنتزاعه مثل صندوق أحمد"






اغسل قلبك يومياً


لم يكن في يوم من الأيام يهتم بتلك النوعية من الكتب التي تقدم نصائح وأساليب للحياة على شاكلة (كيف تصبح مليونير) أو (أقصر الطرق للسعادة)وكان دائماً يقول أن مؤلفي تلك الكتب من النصابين الذين لا يكلفون أنفسهم حتى تجربة ما يكتبون..

إلى أن جاءت تلك اللحظة التي اطلع فيها بالصدفة على عبارة في أحد هذه الكتب ،كانت العبارة تقول "اغسل قلبك يومياً" ،يومها ضحك حتى دمعت عيناه وهو يتصور منظر شخص يغسل قلبه بالصابون ،ثم يتركه ليجفف وبعد ذلك يقوم بكيه ليرتديه مرتباً.

لكن العبارة ظلت تلاحقه في السيارة والعمل والشارع ،وحتى أثناء نومه ظلت تتردد في أذنيه ..

في خلال شهر كان قد أعاد علاقاته بكثير من زملائه القدامى وسعى لإصلاح كل سوء تفاهم كان قد نشأ بينه وبين معارفه ..استطاع أن ينسى كل من آذوه أو ضايقوه وانطلق يحب كل الأشياء ..

الناس ،الأشجار ،الطرقات ،السماء والنسيم ..حتى أدق الأشياء التي لا يلاحظها أحد كنملة تتأرجح تحت ورقة شجر خضراء.

في خلال شهر أيقن أن التسامح نبل وأن الترفع عن الصغائر فروسية ..

في خلال شهر كان صفاء قلبه قد ظهر على وجهه حتى أنه عندما نظر في المرآه ذات صباح ابتسم و تمتم " اغسل قلبك يومياً" .

(قمت بنشر هذه القصة في مجلة كل الناس 1991 )

الأربعاء، 20 مايو 2009

ورقات مطوية


شاهدته يوماً على شاطيء البحر واقف يلقي بزجاجة شفافة تحوي ورقة مطوية ،يلقيها
للموج فيحضنها وتتابع مسيرتها الحرة في البحر الواسع..أتخيلها تجاهد لتصل لآخر خط فيه
لا تعرف أن الأرض كرة يبدأ أولها حيث آخرها يتوقف.



وفي كل الأيام كنت أراه يلقي بزجاجات تحوي ورقات مطوية ،كنت أداري فضولي وأكتمه
وأعلل للنفس السبب ..زجاجة داخلها رسالة أو حتى إعلان تجارة .حتى مرت سنة،صار
العدد ثلاث مئات،تجوب بحار العالم كله ،تسبح في ماء الخلجان ،وتضيق بضيق مضايق
عالم ثلاثة أرباع مساحته زرقاء..



ترتفع و تهبط ..تتناثر بين المرجان وتجاري أسماكاً رسمت بالألوان..



أسماك تدعى بيكاسو وأخرى ذات عيونٍ عمياء في أغوار كهوفٍ مظلمةٍ سوداء.



تدور مع الدوامات وتنكسر لصدمتها بسفينة أو أحد أرصفة الميناء ..زجاجات لا أدري لماذا
يلقيها؟؟



آلاف الأسئلة أنبثقت في رأسي فازدحمت بالأفكار المختلطة، حتى صار العقل مليئاً لا يتحمل
أي جديد..



لملمت كل شجاعاتي وجمعت أساليب سؤال وردوداً متوقعة وفاجأته ذات أصيل ،فابتسم
وأعطاني ورقة من تلك الورقات ..كانت تحمل بضعة كلمات تنشد حباً و سلاماً من أجل حياة
أفضل ،أرحب ،أكثر دفئاً.



كذلك كانت في آخرها ملحوظة تنادي كل من يقرأ إحدى تلك الورقات أن يكتبها مرة أخرى
ويذيلها بنفس الكلمات ،يطويها ويضعها في زجاجة ويلقيها في جوف البحر..



وتصير الواحدة عشرات ،بل أكثر من عشرات ..



بعدد رواد الشاطىء وصيادي الأسماك ..بعدد قلوب تعشق لون الفيروز ورئات تتنفس
نسمات الشطآن وأنوف تزكمها رائحة نباتات الماء..



وبعدد نصف الآذان ،آذان تسمع صوت الموج من البحر ومن داخل تجاويف الأصداف.

الأحد، 10 مايو 2009

عندما تعلو الهموم




عندما تعلو الهموم فوق أكتافي
أغني

أملأالدنيا انشراحاً وعبيراًوسروراً

عندما تعلو الهموم فوق أكتافي

أغني

مثل عصفور جريء

يحضن الريح جناحه

عندهاانثر همومي مثل ريش في الهواء

هكذا أصنع فرقاً..

قد يدوم ،أو لا يدوم


لكنني أخرج دوماًمن همومي بابتسامة

سيكون الغد أفضل ..طالمايرعاني ربي

وهو يرعى كل حي ،يرفع الرأس دعاء
وهو يرعى كل حي، أينما كان مكانه

في جبال أو حقول أو صحارى أو بيوتٍ

أي مخلوق ضعيف ..ربما مثلي يغني

عندما تعلو الهموم



الثلاثاء، 28 أبريل 2009

ذات الهمم








أقدم نصائح وألقي حكم ؛ و كلي خواء وجرح وغم

وأعجب من اكتئاب البشر ؛واليأس يأكل جثتي في نهم

وأشعل للضرير شمعة أمل؛وأرسل للأصم قطعة نغم

وأصرخ في غرفتي بانكسار؛فيدمع حتى الحجر الأصم

ثم أخرج للناس بالبسمة المشرقة

يقولون جاءت .....

ذات الهمم

الاثنين، 27 أبريل 2009

أختي الصغيرة ..لا تحزني


فالزهر الذابل في قلبك ..سيعود بديع الأشراق


والعمر الضائع من قبل ..سيصير ربيعاً خلاق


والدنيا لو خانت يوماً..ستحن ككلب مشتاق


والظلمة لو حلكت حتى ..سينير الضوء الآفاق


والصدر لو اختنق بكاءً..سيحيط الزهر الأعناق


والشمس الغاربة بعيداً..ستدفيء بيتك بعناق


لأن الزهور

وأن الربيع

وأن الحياة


ظلت في قلبك دوماً..لم تبرح

أستترك قلباً كالطهر الأبيض خفاق؟

الأحد، 26 أبريل 2009

لو أني




أحياناً ..أشعر.. وأود.. وأتمنى لو أن نصيبي كان في صورة عصفورة ..


لأطير وأعلو وأعشش بين غصون الأشجار ،أتحرر من كل قيودي وأبعثر آلامي


و حزني..أوهامي ..ضجري ..أيامي ..أبعثرها بين سحابات الكون وكتل المعمار.


في وقت آخر أتخيل لو أني سمكة ..تداعب موجات الماء ..وتداعب زعنفتي الأضواء.


لو أني فراشة أو دودة..شجرة وارفة الأغصان .


لو أني سحابة بيضاء أو كتلة ثلج تهبط في يوم شتاء .


لو أني ربوة خضراء أو نجمة في ذات مساء.


لو أني قطة تتمسح أو شمعة تنير الجنبات ..عربة تجوب الطرقات..فرس جامح ..مجموعة عنزات.


لو أني نحلة أو زهرة أوعشبة تتسلق صخرة.


لو أني قشة في جرن أوقطعة خبز في الفرن


لو أني كلمة في ورقة ..صندوق موسيقى مع فرقة.


لو أني بكرة أو صوفة أو خزنة تتحدى السرقة.


لو أني بيت في قصيدة أو فيلم بنهاية سعيدة.


لو أني كناريا تتأرجح أو بطة تصطاد وتمرح.


لو أني..أو أني ..أو أني..


وأعود لنفسي وأتساءل احساسي وشعوري وفكري هل يسكن في غير البشر؟


السبت، 25 أبريل 2009

الفنار




ووقفت وحيداً أنتظر.. أن تنهي حزني الأيام


وأعالج جرحي في عطفٍ واداوي كل الآلام


وأراقب قلقي في صبرٍ..وأحرر كل الأحلام


وأجاهد كي أبقى صلداً..كالمؤمن بين الأصنام
سأعيش قوياً كفنار

وسأرقص وسط الأعصار

وأدندن أغنية حياة

فيخاف الموت و ينهار


ساواجه كل الأشباح

وسأزار حتى أرتاح

فيغادر خوفي من جوفي

ويزول الهم وينزاح

سأحطم كل الأسوار

وأسابق حتى الأنوار

أتحرر من كل حصار

وسأحفر اسمي من نار

سأقرر ألا أنهار

وأثّبت قلبي بمسمار

وأنادي طريقي لأبدأه

وأصارع ضد التيار

سأعانق نفسي بحماس

وبثقة أنظر للناس

وأذّكر خجلي :لا تخجل!

فالقوة أعظم احساس

سيفر الفشل بلا عودة

والخيبة ترحل مرتعدة

لن أقبل كأساً من فضة

ولن أنجح مرة بل عدّة

سأكون ندّياً كوليد


وأتذكر أيام العيد

فيمتلىء حنيني بحنين

الى ماضٍ هو جد بعيد

سأتذكر أمي في حب

فيهون المشوار الصعب

والموج المرعب أقهره

واليأس سيرحل في رعب









عش كطفل




عش كطفلٍ يا صغيري وابتعد عن عالمي


و دع البهجة تغزو قلبك الغض البرىء


لا تحاور كالكبار


لا تفكر كالكبار


لا تغني كالكبار


اترك النضج لوقته.. واعتمر عقل الصغار


فسيأتي النضج يوماً


في ثياب الحمل ؛ ذئباً يرتديها في دهاء


سترى الزيف يراقص حوريات من رياء


والأكاذيب الكبيرة أصبحت


دبلوماسية أو تحفظ أو تكتم أو ثناء


سترى الكل ينافق


سترى الكل يعانق


سترى المجموع يمشي كالقطيع


في طريق واحدٍ


هيا يا طفلي تهجأ


فوقه كلمة هراء!

الجمعة، 24 أبريل 2009

جوع


جوع

تمتلىء بطونٌ وبطونٌ

وأنا في جوعي مدفون

أتدثر بعظامي الصدئة

وأحارب ألماً مجنون

أتذكر خيرا وخضار

وبيوتاً بالخصب عمار

وطعاما يستر أحشائي

ويهدهد قلبي المغبون

ولكن حتى ذاكرتي

تتشقق كالطين الجاف

والموت يلف ويرمقني


أختبىء

وأبكي

وأخاف

(طفل أفريقي على وشك الموت جوعاً)